الشوكاني

461

فتح القدير

لا يفلح فقال ( قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) أي كل مفتر هذا شأنه ، ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا . وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز . والمعنى : أن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب . ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشئ من المطالب العاجلة فهو متاع قليل في الدنيا ، ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله ، فيعذب المفتري عذابا مؤبدا . فيكون متاع خبر مبتدأ محذوف ، والجملة مستأنفة لبيان أن ما يحصل للمفتري بافترائه ليس بفائدة يعتد بها ، بل هو متاع يسير في الدنيا يتعقبه العذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب على الله . وقال الأخفش : إن التقدير لهم متاع في الدنيا ، فيكون المحذوف على هذا هو الخبر . وقال الكسائي : التقدير ذلك متاع أو هو متاع ، فيكون المحذوف على هذا المبتدأ . وقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال في قوله تعالى ( ولا يحزنك ) لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجاءه من الله فيما يعاتبه ( ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ) يسمع ما يقولون ويعلمه ، فلو شاء بعزته لانتصر منهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( والنهار مبصرا ) قال : منيرا . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله ( إن عندكم من سلطان بهذا ) يقول : ما عندكم سلطان بهذا . سورة يونس الآية ( 71 - 74 ) لما بلغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبهة المنهارة ، شرع في ذكر قصص الأنبياء لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( واتل عليهم ) أي على الكفار المعاصرين لك المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة ( نبأ نوح ) أي خبره ، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن ، والمراد : ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به كما فعله كفار قريش وأمثالهم ( إذ قال لقومه ) أي وقت قال لقومه ، والظرف منصوب بنبأ أو بدل منه بدل اشتمال ، واللام في ( لقومه ) لام التبليغ ( يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي ) أي عظم وثقل ، والمقام بفتح الميم : الموضع الذي يقام فيه ، وبالضم الإقامة . وقد اتفق القراء على الفتح ، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان : أي لأجله ، ومنه - ولمن خاف مقام ربه - أي خاف ربه ، ويجوز أن يراد بالمقام المكث :